الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

269

مناهل العرفان في علوم القرآن

إلا بأنه استمداد من وحى السماء ، واستناد إلى من يملك السمع والأبصار ، وحديث عمن بيده ملكوت كل شئ وهو يجير ولا يجار عليه ؟ ! ( المثال الرابع ) ما جاء من التنبؤ بمستقبل الإسلام ونجاحه نجاحا باهرا ، فقد أخبر القرآن والمسلمون في مكة قليل مستضعفون في الأرض يخافون أن يتخطفهم الناس - بأن الإسلام سيظهر ويبقى ، وأن كتابه سيكتب له الحفظ والخلود منفردا بهذه الميزة عن سائر كتب اللّه . اقرأ إن شئت قوله تعالى في سورة الرعد كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً . وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ، وفي سورة إبراهيم : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وفي سورة الحجر : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ . أجل في هذه السور الثلاث المكية ، قطع القرآن هذه العهود المؤكدة بتلك اللغة الواثقة ، والإسلام يومئذ في مكة مدفوع مضطهد ، والمسلمون قليل مستضعفون في الأرض يخافون أن يتخطفهم الناس ، وليس هناك من بواسم الآمال ما يلقى ضوءا على نجاح هذا الدين الوليد ، ولئن التمست هذه الآمال في نفس الداعي من طبيعة دعوته ، فما كانت لتصل إلى هذا الحد من اليقين والتأكيد . ولئن وصلت إلى هذا الحد ما دام صاحبها حيا يتعهدها بنفسه ويغذيها بنشاطه ، فليس لديه من العوامل ما يجعله يثق بهذا النجاح بعد موته ، مع ما هو معروف بأن المستقبل ملىء بشتيت المفاجآت ، والليالي من الزمان حبالى مثقلات ، والتاريخ لا يزال يقص علينا وعلى الناس نبأ من قتل من الأنبياء ، وما ضاع أو حرف من كتب اللّه ووحى السماء وما حبط من دعوات الحق ونهض من دعوات الباطل . . . كل ذلك قد كان ومحمد صلى اللّه عليه وسلم لم يكن في يوم من الأيام بالرجل الأخرق الذي يسير مع الأوهام ، أو يطير مع الخيال ، أو يطلب المجد عن طريق الأحلام المكذوبة والآمال المعسولة . بل كان معروفا منذ نشأته ، بتواضعه ورجاحة عقله واتزانه ودقته ، حتى لقد كان يتثبت في كلامه ويتحرى إلى أن لقب واشتهر بأنه الصادق الأمين ، وجاء القرآن نفسه يشهد بأنه صلى اللّه عليه وسلم كان قبل نبوته